التأمين التعاوني الإسلامي

التأمين التعاوني الإسلامي: تعريفه ومشروعيته وخصائصه

تعريف التأمين التعاوني

يعرف التأمين التعاوني الإسلامي بأنه “عقد تبرع بين مجموعة من الأشخاص للتعاون على تفتيت الأخطار المبينة في العقد والاشتراك في تعويض الأضرار الفعلية التي تصيب أحد المشتركين والناجمة عن وقوع الخطر المؤمن منه وذلك وفقا للقواعد التي ينص عليها نظام الشركة والشروط التي تتضمنها وثائق التأمين وبما لا يتعارض مع أحكام الشريعة الإسلامية”  إذن غاية هيئة المشتركين التعاون على تحمل الأخطار ووظيفة المؤمن تنظيم هذا التعاون

وقد أجمع العلماء على اتفاق التأمين التعاوني مع مقاصد الشريعة العامة وأدلتها الجزئية، وبعبارة أدق فإنه يمكن أن تتحقق المصلحة في التأمين التعاوني من خلال صيغ شرعية ووفقا لأسس وشروط خاصة، فطبيعة التأمين التعاوني لا تنافي بذاتها أصول الشريعة العامة ومبادئها الكلية ولا نصوصها الجزئية

ويمكن القول بأنه “تعاون مجموعة من الأشخاص يتعرضون لخطر أو أخطار معينة يسمون هيئة المشتركين على تلافی آثار الأخطار وجبر الأضرار التي قد يتعرض لها أحدهم بتعويض عن الضرر الفعلي الناتج عن وقوع هذه الأخطار وذلك بالتزام كل منهم على سبيل التبرع بدفع مبلغ معين (القسط أو الاشتراك) تحدده وثيقة التأمين

وتتولى شركات التأمين إدارة عمليات التأمين واستثمار أموالهم نيابة عن جماعة المشتركين مقابل حصة معلومة من عائد استثمار هذه الأموال على الوجه المبين في العقد أو النظام.”

ومن خلال استقراء التعريفات المتعددة، نجد بأن للتأمين التعاوني عدة أسس ينبني عليها ويمكن تلخيصها في النقاط التالية:

الأسس الفقهية لنظام التأمين التعاوني الإسلامي

1- يعتبر التأمين التعاوني الإسلامي من عقود التبرع التي يقصد بها أصالة التعاون على تفتيت الأخطار والاشتراك في تحمل المسئولية عند نزول الكوارث وذلك عن طريق إسهام أشخاص بمبالغ نقدية تخصص لتعويض من يصيبه الضرر.

2- خلو التأمين التعاوني من الربا بنوعيه ربا الفضل وربا النسيئة فليست عقود المساهمين ربوية ولا يوظفون ما جمع من الاشتراكات في معاملات ربوية

3- أنه لا يضر جهل المساهمين في التأمين التعاوني بتحديد ما يعود عليهم من النفع لأنهم متبرعون فلا مخاطرة ولا غرر ولا مقامرة.

4- الاستثمار الإسلامي الأموال المشتركين في ضوء أحكام الشريعة الإسلامية وفي مجال الطيبات بعيدا عن الربا.

الأسس التعاونية لنظام التأمين التعاوني الإسلامي

 يقوم التأمين التعاوني على مجموعة من الأسس على النحو التالي:

1- العضوية المفتوحة: يعتبر كل فرد عضوة مشتركة مع الآخرين وليس مساهمة وما يقوم بسداده يعتبر تبرعة منه عن رضاء تام لتعويض من يصيبه ضرر، وإذا لم يحدث ضرر فيظل مالك لما دفعه بالإضافة إلى نصيبه مما يكون قد ساقه الله من رزق من عائد استثمار الفائض، ويمكن لأي فرد الانضمام في أي وقت.

2- استثمار فائض الاشتراكات: يستثمر فائض الاشتراكات في المجالات التي تجيزها الشريعة الإسلامية وبذلك تنتفي شبهة الربا، ومن أهم صيغ الاستثمار الإسلامي: نظام المضاربة والمشاركة والمرابحة و الإستصناع والإجارة والسلم.

3- فائض عمليات التأمين: إذا أسفرت عمليات التأمين عن فائض يوزع على أعضاء الجماعة التأمينية وفقا لأسس معينة سوف تناقش فيما بعد.

4- الفصل بين أموال أصحاب الشركة وأموال الجماعة التأمينية المشتركين: يلزم أن تحتفظ شركة التأمين التعاوني الإسلامي بحسابات منفصلة لكل من أموال المؤسسين والمشتركين وتوزيع عائد استثمار الأموال بينهما، ولا يجوز للمؤسسين الاشتراك في فائض العمليات التأمينية

5- المشاركة في الإدارة: من حق كل عضو في الجماعة التأمينية أن يرشح نفسه في إدارة نشاط الشركة، ولا يجوز أن ينفرد بإدارتها مجموعة مستقلة ويجوز أن يحصل مجلس الإدارة على مكافأة تخصم من الفائض قبل التوزيع.

6- تكوين الاحتياطيات لمواجهة العجز إذا تجاوزت التعويضات: إذا تجاوزت التعويضات المدفوعة الاشتراكات المحصلة من المشتركين، يمكن لمجلس الإدارة تغطية هذا العجز عن طريق الاحتياطيات المكونة من الفوائض قبل التوزيع.

7- تخضع الأنشطة والعمليات المراقبة الشرعية: للتأكد من أن كافة الأنشطة والمعاملات التي تقوم بها شركة التأمين الإسلامية تتفق مع أحكام الشريعة الإسلامية فيوجد في الشركة هيئة يطلق عليها اسم هيئة الرقابة الشرعية والتي تتكون من فريق من علماء المسلمين المؤهلين في الشريعة الإسلامية والاقتصاد والتأمين، وتقوم هذه الهيئة بالمراقبة على تلك العمليات وتصدر الفتاوى المطلوبة لتسيير العمل

8- أنه يقوم على مبدأ التعاون الإسلامي، وأن أساسه عقد التبرع الشرعي، وأن هذا التبرع يلزم بالقول، على رأي مالك رضي الله عنه، وعلى ذلك فإن عضو ما يسمى “بهيئة المشتركين” يصبح ملتزمة بدفع القسط بمجرد توقيعه على عقد التأمين، وإن كان أساس دفع القسط هو التبرع ، لأن التبرع ، كما ذكرنا عن مالك رضي الله عنه يلزم بالقول، ولأن بقية أعضاء هيئة المشتركين” وكذلك شركة التأمين الإسلامية يعتمدون على هذا التبرع ، فيدخلون في عقود وتصرفات أخرى تحملهم بالتزامات ، فوفقا لهذا المذهب إذا قلت لزيد: تزوج فاطمة وعلي صداقها ففعل ، كان تبرع له بالقول ملزمة ووجب عليك الوفاء.

9- أن محل هذا التعاون، الذي يقبله المشترك “عضو هيئة المشتركين” هو تلافي آثار الأخطار التي تحددها عقود التأمين، والتي يتعرض لها المشترك عضو هيئة التأمين، وذلك بتعويضه عن الأضرار التي تلحقه من جراء وقوع هذه الأخطار، وفقا للأسس التي يحددها النظام الأساسي الشركة التأمين وتنص عليها وثائقه.

10- أموال التأمين هي الأقساط وعوائد استثمارها، على الأساس السابق، مملوكة لهيئة المشتركين، وليست لشركة التأمين، وأعضاء هيئة المشتركين يتبرعون من هذه الأموال، بما يكفي لدفع التعويضات عن الأضرار التي تصيب أحدهم من جراء وقوع الأخطار المؤمن منها كما ذكر، وهذا يختلف عن عقد التأمين التجاري الذي تمارسه شركات التأمين التجارية فإنه عقد معاوضة بحتة، تملك فيه الشركة أموال التأمين، الأقساط وعوائدها ، مقابل التزامها بدفع التعويضات عن وقوع الأخطار، وهو التزام في ذمتها توفي به من الأموال المملوكة لها، ولذا كان هذا النوع من التأمين غير مشروع، لأنه عقد معارضة دخله الغرر الكثير: في الوجود وفي الحصول وفي المقدار وفي الأجل، والغرر الكثير يفسد عقود المعاوضات اتفاقا، بخلاف التبرعات على رأي المالكية وبه يأخذ الغالبية.

11- شركات التأمين الإسلامية شركات خدمات، أي أنها تدير عمليات التأمين وتستثمر أمواله، نيابة عن “هيئة المشتركين” وفقا لأحكام الشريعة الإسلامية والنظام الأساس للشركة، وبذلك تختلف هذه الشركات عن شركات التأمين التجاري، التي تعمل لنفسها بطريق الأصالة، في إدارة عمليات التأمين واستثمار أمواله،

عناصر عقد التأمين التعاوني

المستأمن

وهو الذي يدفع قسط التأمين وقد يسمى أحيانة المؤمن له ويفرق أرباب التأمين بين المستأمن والمستفيد إذ ربما ينفع الأقساط طرف ويستفيد من التعويض طرف آخر بشكل كلي أو جزئي، فمثلا في التأمين على الحياة المستفيد ليس هو المستأمن. والمستأمن في التأمين ضد الحريق هو مالك البيت أو المستودع ولكن يكون جاره مستفيدة إذا كان هو الذي تسبب خطأه في إحداث الحريق اذ لو لم يكن المصاب مؤمنا لالتزم الجار بالتعويض. وفي التأمين ضد المسؤولية يستفيد المستأمن ولكن يستفيد أيضا من وقع عليه الضرر بالحصول على التعويض اذ لو لم يكن محدث الضرر مؤمنة ربما لم يحصل المتضرر على تعويض.

المؤمن

وهي الجهة التي تقدم خدمات التأمين وتحصل على الرسوم عن طريق اتخاذ الاجراءات المالية المشروعة التي تتضمن التغطية التأمينية، وتكون تعاونية لنفع المشتركين في البرنامج.

محل عقد التأمين

محل العقد هو المعقود عليه، ولا ريب أن الحكم على مشروعية التأمين يعتمد إلى حد كبير على النظر في طبيعة المحل.

وقد اتجهت الدراسات الفقهية المعاصرة وبخاصة تلك التي رجحت الحكم على التأمين بالحرمة ان المحل هو المبلغ الذي يحصل عليه المستأمن تعويضا عما خسر بسبب وقوع المكروه والواقع أن المحل المتعاقد عليه هو الالتزام بالتعويض، فالمستأمن يدفع مبلغ محددة (رسوم التأمين) مقابل التزام الشركة بتعويضه عن الضرر في حال وقوع المكروه الموصوف في العقد، تعويضة متفق عليه، ولذلك فإن المحل المتعاقد عليه وهو الالتزام موجود في عقد التأمين سواء انتهى بدفع التعويض عن الخسار، أم تحققت السلامة للمستأمن.

كيفية ظهور التأمين التعاوني الإسلامي

كان انتشار وسائل النقل الحديثة أكبر الأثر في ازدهار التأمين من الحوادث الشخصية والتأمين من المسؤولية المدنية للناقل إلى جانب التأمين على وسائل النقل ذاتها. ويرى البعض أن المتتبع لتاريخ التأمين يجد أنه بدأ كنظام تعاوني بحت يجمع بين الأفراد المعرضين الخطر معين بغرض تخفيف وطأة الخسارة على الشخص الذي لحقت به وذلك عن طريق مشاركة الجميع في تحمل الخسارة وتوزيعها على جميع الأفراد والمشتركين في النظام وأنه إذا كان التأمين قد انحرف خلال حقبة من تاريخه عن الهدف الأساسي وهو التعاون على درء الأخطار فإنه قد صدر من القوانين واللوائح ما كفل لنظام التأمين غرضه الأساسي في خدمة الفرد والمجتمع.

وقد ورد في مقدمة ابن خلدون أن أعضاء قوافل التجارة التي كان العرب يقومون بها كانوا يتفقون على اقتسام الخسارة التي تلحق بأي منهم نتيجة لنفوق (جمله) أثناء الرحلة وكان يتم توزيع الخسارة على أعضاء القافلة إما بنسبة الأرباح التي حققها كل منهم أو بالنظر إلى رأس مال كل منهم.

 خصائص ومبادئ نظام التأمين التعاوني الإسلامي

المراد بخصائص التأمين التعاوني الإسلامي هي تلك الصفات التي يمتاز بها عن غيره من أنواع التأمين، وأهم تلك الخصائص التي ينفرد بها هذا النوع من التأمين ما يلي:

أ- اجتماع صفة المؤمن والمؤمن له لكل عضو:

وهذه من أهم الخصائص التي يتميز بها التأمين التعاوني عن غيره، حيث إن أعضاء التأمين التعاوني يتبادلون التأمين فيما بينهم، إذ يؤمن بعضهم بعضا، فهم في نفس الوقت مؤمنون ومؤمن لهم، واجتماع صفة المؤمن والمؤمن له في شخصية المشتركين جميعا، يجعل الغبن والاستغلال منتفية، لأن هذه الأموال الموضوعة كأقساط مالها لدافعيها.

ويتضح من هذه الصفة أحد أسباب تسمية هذا النوع من التأمين بالتأمين بالتبادلي؛ حيث يؤمن الأعضاء بعضهم بعضا فكل منهم مؤمن ومؤمن له في وقت واحد. وتتحدد حقوق وواجبات عضو الهيئة التبادلية باعتباره شريكا مؤمنا من خلال نظام الهيئة الذي يلتزم به أو قرارات الجمعية العمومية التي هو أحد أعضائها أساسا

ب- ديمقراطية الملكية والإدارة:

ومعنى هذا أن باب العضوية مفتوح لكل راغب في الانضمام، دون تمييز بين فرد وأخر بسبب الجنس أو اللون أو العقيدة، ومعاملة الأعضاء بمساواة تامة بين الجميع.

وتتحدد حقوق وواجبات عضو الهيئة التبادلية باعتباره مؤمنا له من خلال وثيقة التأمين والتي تخضع للأسس الفنية ذاتها التي تخضع لها وثيقة التأمين التجاري.

وبذلك تقتصر عضوية الهيئة التبادلية التي هي عبارة عن عضوية اختيارية مفتوحة على المؤمن لهم وهم المالكون لها وهم الذين يديرونها وهم الذين ينتفعون من خدماتها وهم متساوون في الحقوق أساسا ولكل منهم صوت واحد فقط في الجمعية العمومية على خلاف ذلك في المساهمة للتأمين التجاري التي تعدد فيها الأصوات للمساهم الواحد بقدر ما يملك من أسهم في رأس المال

ت- عدم الحاجة إلى وجود رأس مال:

تتكون الهيئات التبادلية التعاونية أساسا بدون رأس مال؛ حيث إنها لا تستهدف الربح كما تقدم ولا يوجد بها مساهمون يتقاضون أرباحا لأسهمهم، وتلزم القوانين في بعض الدول الهيئات التبادلية برأس مال تأسيس يقدمه المؤسسون ويحصلون عليه عادة بوساطة الاقتراض وهو يقوم مقام رأس مال المساهمين في الشركات المساهمة للتأمين التجاري وتستهلك اتسعد القروض خلال مدة عمل الهيئة.

ويتم إنشاء مشروعات التأمين التعاوني عندما يتفق عدد كبير من الأعضاء المعرضين لخطر معين على توزيع الخسارة التي تحل بأي منهم عليهم جميعا، مما يؤدي إلى عدم الحاجة إلى رأس مال.

ث- انعدام عنصر الربح:

ينحصر الهدف في التأمين التعاوني في توفير الخدمات التأمينية لأعضائها على أفضل صورة وبأقل تكلفة ممكنة. وبمعنى آخر لا يسعى هذا النوع من الهيئات إلى تحقيق أي ربح من القيام بعمليات التأمين.

وبناء عليه يتحدد اشتراك التأمين لدى هذه الهيئات على أساس ذلك المبلغ لتغطية النفقات الخاصة بالحماية التأمينية المقدمة، وتحقيق أي فائض يعد دليلا على أن الاشتراك الذي يتم تحصيله كان أكثر مما يجب تقاضيه مما يستتبع رد هذه الزيادة إلى الأعضاء.

ج- توفير التأمين بأقل تكلفة ممكنة:

تعتمد الفكرة التي تقوم عليها مشاريع التأمين التعاوني على توفير الخدمة التأمينية لأعضائها بأقل تكلفة ممكنة وذلك لعدة عوامل منها:

– غياب عنصر الربح.

– انخفاض المصروفات الإدارية وغيرها، فلا يحتاج الأمر إلى وسطاء أو مصروفات أخرى مثل الدعاية والإعلان.

ح- قيامه بدور اجتماعي لخدمة البيئة والمجتمع:

ويتضح ذلك في أكثر من مجال منها:

1- مجال توفير الحماية التأمينية لمن هم في أشد الحاجة إليها.

2- مجال الاستثمارات: تقوم السياسة الاستثمارية لهذا النوع من المشروعات على تحقيق التوازن بين الصالح العام والصالح الخاص، وذلك من خلال نظرة تكاملية تأخذ بعين الاعتبار البعد الاجتماعي.

3- مجال التعليم والتدريب المهني، تقدم مشروعات التأمين التعاوني الكثير من المنح الدراسية الأعضائها والعاملين بها.

مشروعية التأمين التعاوني الإسلامي

عرفنا كيف أن التأمين التعاوني قد انطلق من مبدأ التعاون بين الأفراد والجماعات في تحمل الأخطار والكوارث التي تحل بأحدهم، وإن التعاون مبدأ إسلامي أساس في حياة المسلمين، يقول الله تعالى : “وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان واتقوا الله إن الله شديد العقاب” (سورة المائدة، آية ۲)،

ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم ” مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى” (أخرجه مسلم)،

ويقول صلى الله عليه وسلم ” إن المؤمن للمؤمن كالبنيان يشده بعضه بعضأ وشبك أصابعه” (أخرجه مسلم)، وترسيخا لهذا المبدأ في الإسلام كانت مشروعية الزكاة التي تعد أحد أركانه التي بني عليها، وكثيرا ما قرنت في القرآن الكريم بالصلاة اهتماما بشأنها “ووأقيموا الصلاة وأثوا الزكاة واركعوا مع الراكعين” (سورة البقرة، الآية 43)،

وأثر عن أبي بكر رضي الله عنه مقولته المشهورة “والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة” (أخرجه مسلم)

 حينما امتنع البعض عن دفع الزكاة بعد وفاة الرسول صلی الله عليه وسلم، وتتجلى قمة التعاون في تحديد مصارف الزكاة الثمانية شرعا “إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم” (سورة التوبة، الآية 60).

ومما يرسخ أيضا مبدأ التعاون والتكاتف والتكامل في الإسلام، مشروعية الصدقة، والوقف، وصدقة الفطر، والهدي، والأضاحي، والكفارات، والهبات، والوصايا، والمشاركات، والكفالة والضمان، والعارية، والوديعة والقرض. إذا فقد جاء الإسلام في مجموع تشريعاته للمحافظة على الضروريات الخمس (الدين، والنفس، والعقل، والعرض، والمال)، التي يعد التعاون بين الأفراد والجماعات عامة أساسا في تحقيق هذه المحافظة وسوف يتناول الباحث في هذا الفصل حكم الإسلام في التأمين التعاوني.

مشروعية التأمين التعاوني في الكتاب والسنه

يقول الشيخ محمد أبو زهرة رحمه الله في بحثه المقدم لمجمع البحوث الإسلامية بالأزهر ولاشك أن هذا النوع من التأمين (أي التأمين التعاوني) هو من قبيل التعاون على البر والتقوى، الذي ينطبق عليه قوله تعالى “وتعاونوا على البر والتقوى” (سورة المائدة، الآية ۲)،

ويستوي في ذلك الحكم التعاون الاختياري، والتعاون الحكومي الإجباري، لأنها شركة بين المنتفعين به، والمؤمنون هم المستأمنون، بشرط أن يكون الكسب حلالا لا شبهة فيه

ويقول الدكتور غريب الجمال في الندوة المشار إليها” فالجميع يجمعون على أن التأمين التعاوني سليم بما لا يتعارض مع الشريعة الإسلامية…” ويقول في موضع آخر: “فالتأمين التعاوني هو السبيل لتحقيق كل ما يتصور في التأمين من مصلحة… ويمكن القول بأن التأمين التبادلي يحقق إيجاد حل مقبول ومنسق مع قواعد الشريعة الإسلامية لقيام عمليات التأمين التي أصبحت ضرورة من ضرورات النشاط الاقتصادي في عالمنا المعاصر.”

ويقول الدكتور أحمد فهمي أبو سنة: ” وهذا التأمين (أي التأمين التعاوني) بقسميه عقد مشروع خال عن أي مفسد من مفسدات العقود، وهو عمل سهل لأن الأقساط أو المقادير المتفق عليها مقدورة وهو كذلك قربة يثيب الله عليها لأنه تنفيس للكرب ومساعدة على دفع النوائب.”

أ- في القرآن الكريم:

يقول تعالى: “وتعاونوا على البر والتقوى” (سورة المائدة، الآية ۲) ويوضح القرآن الكريم معنى البر في قوله تعالى : “وليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين واثى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وأتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون” (سورة البقرة، الآية ۱۷۷)

ويقول تعالى: «لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون وما تنفقوا من شيء فإن الله به عليم» (سورة آل عمران، الآية ۹۲).

ويقول تعالى: «يا أيها الذين آمنوا إذا تناجيتم فلا تتناجوا بالإثم والعدوان ومعصيت الرسول وتناجوا بالبر والتقوى واتقوا الله الذي إليه تحشرون” (المجادلة، ۹).

ب- في السنة النبوية الشريفة:

تتضح مشروعية التأمين التعاوني في السنة النبوية من خلال عدد من الأحاديث الشريفة التي نسردها كتالي:

قوله صلى الله عليه وسلم: (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا ثم شبك بين أصابعه) من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه

وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن الأشعريين إذا أرملوا في الغزو، أو قل طعام عيالهم في المدينة جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد، ثم اقتسموه بينهم في إناء واحد بالسوية فهم مني وأنا منهم)، وأرملوا معناها فني زادهم

وروي عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما في الحديث الذي رواه البخاري أنه قال : “بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث قبل الساحل ، فأمر عليهم أبا عبيدة بن الجراح وهم ثلاثمائة وأنا فيهم ، فخرجنا حتى إذا كنا ببعض الطريق فني الزاد، فأمر أبو عبيدة بإزواد ذلك الجيش، فجمع ذلك كله فكان مزودي تمر، فكان يقوتنا كل يوم قليلا قليلا حتى فني، فلم يكن يصيبنا إلا تمرة تمرة…”

التأمين التعاوني في نظر الهيئات والمجامع الفقهية:

أجمعت الهيئات والمؤتمرات والمجامع الفقهية في العالم الإسلامي على مشروعية الأخذ بالتأمين التعاوني مادام موافق في نظمه للكتاب والسنة والقواعد المستنبطة منهما.

ففي المؤتمر الثاني لمجمع البحوث الإسلامية بالقاهرة الذي عقد في شهر مايو من العام 1965 م، بحث موضوع التأمين بجميع أنواعه وأصدر المؤتمر قراره التالي:

1- التأمين الذي تقوم به جمعيات تعاونية يشترك فيها جميع المستأمنين لتؤدي لأعضائها ما يحتاجون إليه من معونات وخدمات أمر مشروع وهو من التعاون على البر.

2- نظام المعاشات الحكومي وما يشبهه من نظام الضمان الاجتماعي المتبع في بعض الدول، ونظام التأمينات الاجتماعية المتبع في دول أخرى، كل هذا من الأعمال الجائزة

شروط التأمين التعاوني الإسلامي

ضوابط التأمين التعاوني التي ينبغي الالتزام بها ومراعاتها عند إنشاء شركة للتأمين التعاوني الإسلامي كما يأتي:

أولا: أن التأمين التعاوني عقد تبرع من نوع خاص لا نظير له عقود التبرعات المعروفة في الفقه الإسلامي، ولا ضير في ذلك مادام لم يخالف النصوص والقواعد الشرعية

ثانيا: أن التأمين التعاوني يقصد به أصالة التعاون على تفتيت الأخطار والاشتراك في تحمل المسئولية عند نزول الكوارث، فكل مشترك متبرع باشتراكه لمن يحتاج إليه من سائر الشركاء، ومتبرع له من الشركاء إذا لحق به الخطر. ولا أدل على ذلك من قول الرسول صلى الله عليه وسلم في الأشعريين إن الأشعريين إذا أرملوا في الغزو، أو قل طعام عيالهم بالمدينة، جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد، ثم اقتسموه بينهم في إناء واحد بالسوية، فهم مني وأنا منهم” (متفق عليه)، فامتدحهم الرسول صلى الله عليه وسلم حينما تعاونوا فيما بينهم في دفع حاجتهم.

ثالثا: أن جهل المشاركين في التأمين التعاوني، بتحديد ما يعود عليهم من النفع لا يضر بالتأمين، لأنهم متبرعون، والتبرع لا مخاطرة فيه ولا غرر ولا مقامرة، وجاء في الفروق “أما الإحسان الصرف فلا ضرر فيه فاقتضت حكمة الشرع وحثه على الإحسان التوسعة فيه بكل طريق بالمعلوم والمجهول فإن ذلك أيسر لكثرة وقوعه قطعة وفي المنع من ذلك وسيلة إلى تقليله”، والتأمين التعاوني فيه إحسان من المستأمنين لبعضهم.

رابعا: أن يلتزم جميع المستأمنين (المشتركين) بتحمل تبعة الخطر الذي ينزل بأي منهم، ودفع ما يقتضيه ذلك من الأقساط على أساس التبرع، وينص على ذلك في وثيقة التأمين.

خامسا: أن تكون مقادير الأقساط المستوفاة من المستأمنين كافية لتغطية نفقات التشغيل، والتعويضات، والاحتياطات اللازمة، وذلك وفق دراسة فنية متخصصة.

سادسا: تلتزم الشركة نيابة عن المشاركين في التأمين التعاوني، بتغطية أي خطر يلحق بالمشارك، من أمول المشاركين عند إبرام وثيقة التأمين.

سابعا: تتكفل شركة التأمين بتغطية العجز في أموال المستأمنين (المشتركين) عن طريق القرض الحسن، وتسترد ذلك من أموالهم وأرباحها مستقبلا بعد نفاذ الاحتياطي إن وجد، وهذا من قبيل الضمان المتفق على مشروعيته في الفقه الإسلامي.

ثامنا: أن شركة التأمين تقوم بإدارة العمليات التأمينية بالوكالة نيابة عن المستأمنين، فتحافظ على أموالهم، وتبرم الاتفاق مع المستأمنين الجدد وتعويض من تعرض للخطر منهم، وتتقاضى على ذلك أجرة يحدده مجلس الإدارة إذا كان من بين أعضائه من يمثل المستأمنين، أو الدولة، ويمكن أن يحدد ابتداء بنسبة معينة في وثيقة التأمين.

والوكالة تصح بأجر وبغير أجر فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبعث عماله لجلب الزكاة ويعطيهم عمالة منها، ولأن الوكالة عقد جائز، لا يجب على الوكيل القيام بها، فيجوز أخذ الأجرة عليها

تاسعا: أن يكون من بين أعضاء مجلس إدارة الشركة من يمثل الدولة محافظة على سيرها المعتدل ومنعا للتلاعب والفشل.

عاشرا: الفصل بين حقوق المساهمين في الشركة بوصفها مديرا لعمليات التأمين بالوكالة وبين حقوق المستأمنين (حملة الوثائق)، وفق حساب خاص لكل من الفريقين

الحادي عشر: أن تتضمن وثيقة التأمين التفويض من المستأمنين بإدارة العلميات التأمينية واستثمار أموالهم، وتنميتها بالطرق الشرعية.

الثاني عشر: أن تقوم شركة التأمين باستثمار الموجود من أموال المستأمنين بطريق المضاربة، فالمال من جهتهم، والعمل من جهة الشركة والربح بينهما بالنسبة التي يتفق عليها.

الثالث عشر: توزيع الفائض من أموال المستأمنين عليهم، بعد اقتطاع الاحتياطي اللازم منه، ويكون من قبيل المال الزائد الذي لم تعد الحاجة إليه قائمة فيما وضع له. ويمكن أن يستخدم لتخفيض اشتراكات الأعضاء في السنوات التالية.

الرابع عشر: المشاركون في التأمين التعاوني متضامنون فيما بينهم في دفع الضرر عن بعضهم البعض، فلا حاجة إلى أن تلجأ الشركة الموكلة بإدارة أموالهم وأعمالهم، إلى ما يعرف بإعادة التأمين (تأمين جزء من الأخطار التي سبق تأمينها، أي إعادة تأمينها لدى مؤمنين آخرين، حتى تطمئن شركة التأمين إلى حد ما إلى قدرتها على مواجهة التزاماتها للمؤمن لهم، وحتى يطمئن المؤمن لهم أيضا إلى ملاءة شركة التأمين وقدرتها على مواجهة الأخطار التي يتعرضون لها)، لدى شركات أخرى ولا يجوز لها ذلك لما فيه من المخالفة لأحكام التأمين التعاوني السابق الذكر، ولما هو معروف عن هذه الشركات العالمية التي تهدف إلى الربح، من عدم تورعها في جمع المال وكسبه من أي مكان وبأي طريق بغض النظر عن حله وتحريمه

وبإمكان شركات التأمين التعاوني الإسلامية، أن تتفق على إنشاء شركة تعاونية لتغطية العجز الذي يظهر لدى أي منها، فلا محذور شرعا في ذلك، وهذا يغني عما يسمى بإعادة التأمين.

في الختام، تناول هذا الفصل التأمين التعاوني الإسلامي من حيث التعريف والمشروعية في القرآن الكريم والسنة، وظهر من خلال سرد الأدلة بأن التأمين التعاوني الإسلامي مباح ويتماشى مع الشريعة الإسلامية.

شركات التأمين التعاوني الإسلامي

ومن أشهر شركات التأمين التعاوني الإسلامي وأسبقها تأسيسا ما يلي:

 شركة التأمين الإسلامية في السودان: وهي أولى شركات التأمين التعاوني ظهورة، حيث ظهرت إلى حيز الوجود سنة ۱۳۹۹ه الموافق ۱۹۷۹م، في الخرطوم من قبل بنك فيصل الإسلامي السوداني.

الشركة الإسلامية العربية للتأمين (إياك) في دبي وقد ظهرت إلى حيز الوجود سنة ۱۳۹۹ه الموافق ۱۹۷۹م، من قبل بنك دبي الإسلامي.

الشركة الوطنية للتأمين التعاوني: وقد ظهرت إلى حيز الوجود في الرياض، في المملكة العربية السعودية عام 1405ه سنة 1985م، بموجب مرسوم ملكي، وهي شركة حكومية بالكامل.

شركة الإسلامية للتأمين وإعادة التأمين وقد ظهرت إلى حيز الوجود سنة 1405ه الموافق 1985م في البحرين.

الشركة للتأمين الإسلامية العالمية في البحرين وقد ظهرت إلى حيز الوجود عام 1412ه الموافق ۱۹۹۲م، ولبنك البحرين الإسلامي دور مهم في إنشائها، واستثمار أموالها.

شركة التأمين الإسلامية المساهمة العامة المحدودة في الأردن وقد ظهرت إلى حيز الوجود عام 1416ه الموافق 1996م، بدعم من البنك الإسلامي الأردني وباشرت أعمالها اعتبارا من ۱۹۹۶ / ۶ / ۱ م.

شركة أمان للتأمين التعاوني – لبنان ، ولقد باشرت أعمالها عام ۲۰۰۲ م.

بيت التأمين المصري السعودي، وقد باشرت أعمالها عام ۲۰۰۳ في جمهورية مصر العربية.

شركة إعادة التأمين السعودية في الرياض المملكة العربية السعودية وباشرت أعمالها في ۲۰۰۸/ 5 / 1 م.

المراجع:

أبو غدة، عبد الستار (۲۰۰۶)، التبرع والهبة كبدائل التعويض في التكافل: المنطلق الشرعي للتبرع والهبة مع التعويضات. منتدى التكافل السعودي الأول. جدة – السعودية.

آل محمود، الدكتور عبد اللطيف محمود ، التأمين الاجتماعي في ضوء الشريعة الإسلامية، (بیروت: دار النفائس، ط1، د.ت).

الأنصاري، وفظ أحمد (۲۰۰۶) “التأمين التعاوني وتطبيقاته المعاصرة – دراسة مقارنة بين نظرية التأمين التعاوني ونظرية التأمين التجاري”، رسالة ماجستير، كلية القانون، جامعة الكويت، الكويت.

البعلي، عبد الحميد محمود و الراشد، وائل إبراهيم (۲۰۰۶) نظام التأمين التعاوني التكافلي الإسلامي (قواعده وفنياته مع المقارنة بالتأمين التجاري)”، رسالة ماجستير، كلية التجارة، جامعة الكويت، الكويت.

 بابكر، عثمان (۲۰۰۵)، التطبيقات الاقتصادية الإسلامية المعاصرة، ندوة الدار البيضاء بالمملكة المغربية للفترة (5 – ۸ مايو ۱۹۹۸م)، رقم 43، الجزء الثاني، الطبعة الأولى، المعهد الإسلامي اللبحوث والتدريب، مكتبة الملك فهد الوطنية، جدة – السعودية.

باجوري، عبد الحكيم عثمان، المؤسسة الإسلامية للتأمين في ماليزي: دراسة فقهية مقارنة، قدمت هذه الرسالة استكمالا لمتطلبات الحصول على درجة الماجستير في الفقه وأصوله في كلية الدراسات الفقهية والقانونية، ۱۹۹۸م، جامعة آل البيت

بلتاجي، محمد (۲۰۰۰)، عقود التأمين من وجهة الفقه الإسلامي، دراسة مستوعبة لكافة وجهات النظر في عقدي التأمين التجاري والتعاوني، مكتبة الأمين، القاهرة – مصر.

بن بيه، الشيخ عبد الله (۱۹۹۲)، التأمين التعاوني والتأمين التجاري، ورقة منشورة ومحكمة.

سليمان بن إبراهيم, بن ثنيان،(۲۰۰۳)، التأمين وأحكامه – الطبعة الأولى، دار ابن حزم للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، لبنان.

بن حميد، صالح بن عبد الله (۲۰۰۳)، التأمين التعاوني الإسلامي، بحث محكم ومنشور.

التويجري، علي بن عبد المحسن (۲۰۰۹)، التأمين المعاصر في ميزان الشريعة الإسلامية، جامعة الرياض.

ثنيان، سليمان بن إبراهيم (۱۹۹۳)، التأمين وأحكامه – الطبعة الأولى، دار العواصم المتحدة، بیروت، لبنان.

الجرف، محمد سعدو (۲۰۰۹) تقويم أنظمة و وثائق التأمين التعاوني في المملكة العربية السعودية”، بحث مقدم إلى ملتقى التأمين التعاوني، الهيئة الإسلامية العلمية للاقتصاد والتمويل

قم بزيارة صفحتنا على الفايسبوك للتتبع آخر الأحداث المتعلقة بقطاع التأمين في العالم العربي









اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.