التأمين التكافلي بالمغرب

تحديات وآفاق التأمين التكافلي بالمغرب

تحديات وآفاق التأمين التكافلي بالمغرب

يعد قطاع التأمين مكونا أساسيا لقيام المشروعات واستمرارية المنشآت، لما يقوم به من دور و المحافظة على أصولها وثرواتها، من خلال تعويضها عن الخسائر التي قد تلحقها جراء التعرض للخطر، فهو ضرورة لتوفير الوقاية والأمان ورعاية الطاقة الإنتاجية للأفراد والشركات.

في ظل الأهمية التي يتمتع بها التأمين فإن حاجة الفرد الملحة إلى التحصين من المخاطر، جعلت لهذه الشركات نوعا من التفوق القانوني في مقابل الطرف الآخر ( المؤمن له )، إذ يجمع خبراء القانون على أن عقود التأمين من عقود الإذعان، فالشركة هي التي تستقل بتحرير وثيقة التأمين ووضع بنودها بطرق تخدم مصالحها، في حين يبقى الطرف الآخر مجبرا بقوة القانون على هذا النوع من العقود التي يستعصي على الفرد العادي الإحاطة بكل مقتضياته ومتطلباته نظرا لطابعه التقني.

لكن ومع التحول الذي شهده العالم إثر الأزمات المتعاقبة التي عصفت بالجهاز المصرفي التقليدي لكبريات الدول، أخذ الاهتمام يتزايد بصناعة هندسة مالية بديلة عنه وهي المالية الإسلامية، أعادت خلاله بعض الدول الإسلامية النظر في استراد المنتجات المصرفية الهشة، ومحاولة بناء بدائل تتوافق مع مرجعيتها وتراثها.

ويعد المغرب من أواخر الدول العربية التي قامت بإدراج المالية الإسلامية ضمن ترسانتها القانونية، عبر وضع مجموعة من القوانين، التي تم صياغتها بعد الاطلاع على تجارب الدول الأخرى ، كالتعديل الذي شمل قانون مؤسسات الائتمان والهيئات المعتبرة في حكمها، ومدونة التأمينات، وتقنين شهادات الصكوك.

وبالرغم من الحذر الشديد في تعامل المشرع المغربي مع هذا النوع من المنتجات، فإنه يحسب له محاولته لإخراج إطار قانوني متميز يراعي الخصوصيات الثقافية للمغاربة، وإعادة إحيائه لدور المؤسسة الدينية من خلال دورها الحيوي في إرساء قواعد المطابقة للعمليات التشاركية أحكام الشريعة الإسلامية هذا مع كون البنوك التشاركية مهدت الطريق أمام الكثير من الباحثين من مختلف المجالات، وشكلت نقطة وصل بينهم، انفتح فيها علماء الشريعة على قراءة النصوص القانونية والأخذ من خبراء الاقتصاد، وقطع فقهاء القانون شوطا كبيرا في فهم البناء الاقتصادي الإسلامي، لتصير مادة البنوك التشاركية أرضية خصبة أمام الأكاديميين بمختلف تخصصاتهم

وقد سجلت البنوك التشاركية منذ انطلاقها أرقاما متواضعة حسب ما کام متوقعا لها، إذ بلغ إجمالي تمويلاتها حسب بنك المغربي المركزي في سنة 2018م 5.4 مليار درهم، ما يدفعنا للتساؤل بعد التعديل الأخير لقانون ۹۹.۱۷ المغير والمتمم بقانون ۱۸۰۸۷ ما إن كان سيقدم التأمين التكافلي باعتباره محفزا للنشاطات الاقتصادية دفعة جديدة للبنوك التشاركية من أجل تحسين وتطوير نتائج عملياتها؟ وما هي درجة وعي الفرد المغربي المهتم بالمالية التشاركية بهذا النوع من التأمينات ؟ وما هي أبرز تحديات وآفاق منتوج التأمين التكافلي بالمغرب ؟

المبحث الأول : الإطار العام للتأمين التكافلي

مفهوم وخصائص التأمين التكافلي

التأمين في اللغة مشتق من مادة أمن، وهي الطمأنينة وزوال الخوف، والتكافل هو التعاون والمساعدة التبادلية

وفي الاصطلاح فإن التأمين التكافلي عبارة عن تعاون مجموعة من الأشخاص يسمون هيئة المشتركين، يتعرضون الخطر أو أخطار معينة على تلافي آثار هذه الأخطار التي يتعرض لها أحدهم بتعويضه عن الضرر الناتج عن وقوع هذه الأخطار، وذلك بالتزام كل منهم بدفع مبلغ معين على سبيل التبرع، يسمى القسط أو الاشتراك ، تحدده وثيقة التأمين، وتتولى شركات التأمين التكافلي إدارة عمليات التأمين واستثمار أمواله نيابة عن هيئة المشتركين في مقابل حصة معلومة من عائد استثمار هذه الأموال؟

وفي تعريف آخر فإن التأمين التكافلي هو نظام يقوم على التعاون بين مجموعات أو أفراد، يتعهدون على وجه التقابل بتعويض الأضرار التي تلحق بأي منهم عند تحقق المخاطر المتشابهة، وهؤلاء المساهمون في تحمل المخاطر لهم من المصالح ما للمؤمن له الذي أصابه الضرر . يتضح من التعريفين السابقين بأن التأمين التكافلي هو قيام مجموعة من الأفراد تجمعهم مصلحة مشتركة، تتمثل في التحصين من المخاطر، يتفقون على دفعها عند حلولها بواحد منهم.

خصائص التأمين التكافلي

يتميز التأمين التكافلي بمجموعة من الخصائص، يستمدها من تطبيقه لمبدأ التعاون والتكافل، ومن أهم هذه اخصائص هي اجتماع صفة المؤمن والمؤمن له في المشترك في الآن نفسه ، فهو يدفع الأقساط على أساس الاشتراك وفي نفس الوقت فهو مستفيد إذا نزل به الخطر.

– عدم الحاجة إلى وجود رأس المال : إن طبيعة التأمين التكافلي لا تحتاج في قيامها إلى رأس مال ، بل تتطلب وجود عدد كبير من الأعضاء لمقابلة الضرر الناجم عن خطر معين، يتفق فيه على توزيع الخسارة التي تنزل بأحدهم.

– انعدام عنصر الريح : يقوم نظام التأمين التكافلي على التبرع والبر المأمور به شرعا، فينتفي معه الربح مادام أن الشركة التكافلية ستوفر الخدمات التأمينية للمشتركين على أفضل صورة وبأقل تكلفة ممكنة، مع إقامة التعاون والتضامن بينهما .

– توزيع الفائض التأميني : من أهم الخصائص التي تميز التأمين التكافلي هو توزيعه للفائض التأميني، فعند تغطية تكاليف الأخطار ودفع أجرة تسيير الشركة للأقساط، فإن الشركة تقوم بتوزيع الفائض علی المشتركين، وهو من الفروق الجوهرية بينه وبين التأمين التقليدي الذي يعتبر الفائض كربح يوزعه على المساهمين، مما يكرس لمزيد من الجشع والريح الفاحش وتركز المال في قلة من الناس .

– ملكية الأرباح: إن الأرباح المتحصلة من صناديق الاستثمار في التأمين التكافلي تكون مملوكة لجميع حملة الوثائق، وليس للشركة أن تستبد بها بخلاف الوضع في النظام التقليدي الذي تستقل فيه الشركة بالأرباح دون حملة الوثائق

الصيغ المطبقة للتأمين التكافلي

 أدى نزوح شركات التأمين التقليدية للبلدان الإسلامية، إلى عقد مجموعة من المؤتمرات والندوات المناقشة طبيعة هذه العقود، بمشاركة مختلف الخبراء وفقهاء الشريعة والقانون، ليستقر الأمر على تحريم هذا النوع من العقود ومحاولة إيجاد بدائل شرعية، تهدف إلى تحقيق الخدمة الاجتماعية قبل أن تهدف إلى تحقيق أكبر قدر من الربح.

ومع مرور الوقت تطورت وتبلورت فكرة التأمين التكافلي في أذهان الناس، لتظهر أول شركة للتأمين التكافلي جسدت التطبيق العملي للفكرة في دولة السودان سنة ۱۹۷۹م، بدعم من بنك فيصل الإسلامي، لتتابع بعدها ظهور الشركات، ليتم في نفس السنة إنشاء الشركة العربية الإسلامية للتأمين في دولة الإمارات العربية المتحدة

وقد شكلت هذه الفترة نقلة نوعية وحقيقية للفكر الاقتصادي الإسلامي لخروج أحد أقطابه إلى الحيز التطبيقي والعملي . وفي سنة 1984م، تأسست أول شركة للتأمين التكافلي في ماليزيا بعد دخول قانون التأمين التكافلي حيز التنفيذ.

وفي سنة 1985م، تأسست بالمملكة العربية السعودية أول شركة تأمين إسلامية باسم الشركة الوطنية للتأمين التعاوني.

ثم أخذ التأمين التكافلي منذ ذلك الحين ينتشر ويتوسع بصورة كبيرة جدا، حيث بلغ عدد شركات التأمين سنة 2009م، 173 شركة ليصل في سنة 2016م ل 308 شركة

إذ بينت النتائج تنامي الثقة الدولية بقطاع التأمين التكافلي الذي بات اليوم واحدا من روافد الاقتصاد العالمي. وقد توقع تقرير صادر عن مركز دبي للصيرفة والتمويل الإسلامي أن يقفز حجم قطاع التكافل العالمي إلى 5.52 مليار دولار بحلول العام ۲۰۲۰م، وذلك بمعدل نمو يصل إلى 6٪.

وتستخدم شركات التأمين التكافلي ثلاث صيغ الإدارة أعمالها المالية وهي:

نموذج الوكالة : تقوم خلاله الشركة بإدارة وتسيير الاشتراكات على أساس الوكالة بأجر، فالشركة تقوم بإدارة العمليات التأمينية على شكل صندوق التأمين التكافلي وكالة عن جمهور المستأمنين ، فهي التي تتولى قبول المشتركين الجدد واستيفاء الأقساط من الأعضاء، وتكون مسؤولة كذلك عن دفع التعويضات للمتضررين

نموذج المضاربة : تقوم الشركة في هذا النموذج بدور المضارب برأس المال، ويقوم المستأمنون في مقام رب رأس المال، حيث يتم اقتسام الأرباح بناء على نسبة يحددها مجلس إدارة الشركة مع اعتبار أن تكون استثمارات الصندوق فيما يتوافق وأحكام الشريعة الإسلامية”.

النموذج المختلط : يقوم هذا النموذج على الدمج بين صيغة الوكالة بأجر والمضاربة، فالشركة تدير وتسير اشتراكات المستأمنين على أساس الوكالة ، وتوظف الفائض التأميني في الاستثمارات بعقد المضاربة؛

المبحث الثاني : واقع التأمين التكافلي بالمغرب

أدى انطلاق البنوك التشاركية بالمغرب بعد إرساء قواعدها القانونية التي جاء بها قانون ۱۲-۱۰۳ المتعلق بمؤسسات الائتمان والهيئات المعتبرة في حكمها، إلى الإلحاح المستمر على المشرع المغربي بضرورة ملء الفراغ الذي تعاني منه البنوك التشاركية، من حاجتها إلى التأمين على معاملاتها وطرق لخلق المردودية، مما دفع بالمشرع المغربي إلى إقرار قانون 13-59 المغير والمتمم لمدونة التأمينات ، بهدف إدماج التأمين التكافلي واستكمال منظومة المالية التشاركية بالمغرب، واستجابة لمطالب الشريحة الواسعة من المجتمع، التي تجد حرجا في التعامل مع الأنواع الأخرى من التأمينات.

لكن ورغم ذلك ظلت المبادئ التي أقرها قانون 13-59 لا ترقى إلى تطلعات اللجنة الشرعية للمالية التشاركية التابعة للمجلس العلمي الأعلى، والتي أبدت مجموعة من الملاحظات حول القانون، استدعت مراجعة نصوصه ليتلاءم مع أحكام الشريعة الإسلامية ومقاصدها.

وفي ظل هذه الظروف وبعد ثلاث سنوات ، ظهر مشروع قانون رقم 18-387 ليعدل من بعض البنود الخاصة بالتأمين التكافلي، ساعدت على تدعيم منظومته واستكمال بناءه

تحديات وعوائق التأمين التكافلي بالمغرب

 إن البناء القانوني المتميز الذي سطره المغرب للتأمين التكافلي، من تشديده على المقتضيات المتعلقة بالمطابقة وإعادة تنظيمه للمجالس العلمية، بتشكيل لجنة خاصة للمالية التشاركية، التي جعل لها كامل الاستقلالية للبث في مستجدات عقود التأمين التكافلي، وكذلك إلزامه للشركات التي ستخوض هذه التجربة لضرورة رفع تقارير دورية على أنشطتها، ومدى توافقها مع أحكام الشريعة.

كل هذه الخطوات التي تبهج النفس وتبعث على التفاؤل بمستقبل التأمين التكافلي المزدهر، لا تضعه بمنأى عن التحديات والعوائق التي قد تواجهه خلا تنزيله عمليا ومن بين هذه العوائق :

– تحديات رأس المال والبنية التأسيسية :

 إن الحضور القوي لشركات التأمين التقليدية في السوق المغربي واحتكارها للمعاملات التأمينية، سيكون من الصعب على التأمين التكافلي الفتي سرعة الاندماج معه، خصوصا أن مدة الخبرة والرأس المال المتراكم للشركات التقليدية يمنحانها التفوق في هذا المجال، إلا أن احتمال تکرر سيناريو بعض البنوك التشاركية التي انبثقت من بنوك تقليدية خوفا من ضياع حصتها في السوق ، إذ سعت جاهدة للظفر والهيمنة على المنتوج الجديد عبر خلق نوافذ وشبابيك، ويرى الباحث من خلال المتابعة نختلف وسائل التواصل أن أكبر الإشكالات والتساؤلات التي ترد من الجمهور المغربي تمس هذا الجانب بالخصوص.

– العلاقة بهيئة مراقبة التأمينات والاحتياطي الاجتماعي:

إن مرجعية نظام التأمين التكافلي وفلسفة بناءه ومقاصده المؤسسة على التكافل، يجعل من طبيعة العلاقة مع هيئة التأمينات والاحتياطي الاجتماعي مختلفة تماما عن النظام المالي التقليدي، فكيف سيتم التأسيس لهذه العلاقة مع اختلاف النظامين .

– مخاطر تتعلق بإعادة التأمين التكافلي :

 لا قيام لشركات التأمين إلا بترتيبات إعادة التأمين، وقد تواجه التأمين التكافلي مشاكل في بدايتها، تتمثل في غياب شركات إعادة التأمين التكافلي تتوافق مع مبادئ التأمينات الإسلامية ، لأن عدم إجراء ترتیبات لإعادة التأمين التكافلي قد يقوض من نشاطها

بالإضافة إلى هذه العوائق فإن مخاطر استثمار الفائض مطروحة كذلك من جانبها الشرعي، وأيضا فكيف سيكون حضور شركات التأمين التكافلي في الجانب التسويقي؟ هل ستقتصر على الألفاظ الفضفاضة من قبيل الصدق والأمانة أم ستنطلق من مرجعيتها؟

الآفاق المستقبلية للتأمين التكافلي بالمغرب

إن البعد الاستراتيجي للمغرب المتمثل في حضوره الوازن بقارة أفريقيا وما يتمتع به استقرار سياسي واقتصادي ، وما يتوفر عليه من قاعدة جماهيرية وأكاديمية واسعة، كلها مؤشرات تبشر بمستقبل واعد للتأمين التكافلي بالمغرب وتؤهله لأن يكون مركزا دوليا وقاريا للمالية الإسلامية .

هذا وإن كان المغرب من أواخر الدول التي فتحت أبوابها للتأمين التكافلي والمالية الإسلامية عموما، فإن قوة إطاره القانوني واستفادته من تراكمات الدول التي سبقته في هذا المجال، قد يجعل منه قبلة دولية ومركزا قاريا لهذه الصناعة كما هو الحال بالنسبة لماليزيا والمملكة العربية السعودية، وقد بينت الدراسة التطبيقية لهذا البحث وجود شريحة كبيرة من الناس تنتظر بروز التأمين التكافلي من أجل خوض تجربة البنوك التشاركية التي يتوقع أن تنتعش معاملاتها فور تفعيل التأمين التكافلي، إلا أن هذا التفاؤل يظل مرهونا بمدى قدرة الشركات التي ستزاول هذا النوع من التأمينات ، على تجاوز التحديات والعوائق التي قد تواجهها في السوق ، فالحضور الوازن إلى جانب الخبرة الطويلة للتأمين التجاري في سوق التأمينات المغربي ، قد يصعد من شراسة المنافسة، وأيضا قلة وعي بعض الجمهور المغربي من المهتمين بالمالية التشاركية بمقتضيات التأمين التكافلي سيشكل تحديا آخر أمامها.

المراجع:

تحديات وآفاق التأمين التكافلي بالمغرب: ياسين مناظري طالب ماجستير اقتصاد إسلامي – بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.