التأمين على الحياة في النظام القانوني القطري

التأمين على الحياة في النظام القانوني القطري

التأمين على الحياة في القانون المدني والتشريعات الخاصة في دولة قطر

نظم المشرع القطري عقد التأمين في القانون المدني في الفصل الثالث من الباب الرابع المخصص لعقود الغرر وذلك في المواد من 771 إلى 807 مدني ولم ينظم التأمين على الحياة كنوع مستقل من التأمين، ولم يشر من قريب أو بعيد إليه، وحتى في تناوله لبعض الأحكام الخاصة التي يمكن تطبيقها على التأمين على الحياة، استخدم عبارة ” عقود التأمين التي يرد بشأنها نص خاص”

ولعل هذا الاغفال المتعمد يدعونا إلى التساؤل حول دوافعه، وهل موقف المشرع القطري في ذلك له نظير في التشريعات العربية المقارنة سواء في منطقة الخليج العربي أو خارجه، وهل معنى هذا أن النظام القانوني القطري لا يعترف بالتأمين على الحياة.

أولا – موقف المشرع القطري مقارنة بالتشريعات العربية الأخرى

جاء موقف المشرع القطري في عدم تنظيمه للتأمين على الحياة مغايرا للتشريعات العربية سواء في منطقة الخليج أو خارجها.

1 – فبالنسبة للدول العربية خارج منطقة الخليج نجد العديد منها نظم وبنصوص قانونية صريحة التأمين على الحياة، من ذلك:

التشريع المصري حيث نظمه في المواد من 754 إلى 765 من القانون المدني، والمشرع العراقي نظمه في القانون رقم 40 لسنة 1951 بشأن القانون المدني في المادة 992 مدني وما بعدها،

والمشرع الجزائري نظمه في قانون التأمينات الصادر بالأمر رقم 7 لسنة 1995 في المواد من 64 وما بعدها،

ونظمه المشرع الأردني في القانون المدني رقم 43 لسنة 1976 بشأن القانون المدني في المادة 941 وما بعدها.

– أما الدول العربية في منطقة الخليج فقد نظم بعضها التأمين على الحياة من ذلك :

المشرع الإماراتي حيث نظمه في المادة 1046 وما بعدها من القانون الاتحادي رقم 5 لسنة 1985 بشأن إصدار قانون المعاملات المدنية لدولة الإمارات العربية المتحدة،

ونظمه المشرع البحريني في المادة 724 وما بعدها من المرسوم بقانون رقم 19 لسنة 2001 بشأن إصدار القانون المدني،

وأشار إليه المشرع الكويتي في المادة 787 وما بعدها من المرسوم بقانون رقم 67 لسنة 1980 بشأن إصدار القانون المدني.

وظاهر من استعراض التشريعات العربية المقارنة أن المشرع القطري ينفرد من بينها في عدم الإشارة إلى التأمين على الحياة في القانون المدني، ولعل ثمة دوافع لذلك، بيد أنه قبل استجلاء هذه الدوافع، أن نبين موقف التشريعات الخاصة في دولة قطر من التأمين على الحياة.

ثانيا – التأمين على الحياة في التشريعات الخاصة

فيما عدا القانون المدني ينظم نشاط التأمين في دولة قطر القانون رقم 13 لسنة 2012 بشأن مصرف قطر المركزي وتنظيم المؤسسات المالية، ونص في المادة 93 منه على أنه: ” مع عدم الإخلال بأحكام التأمين المنصوص عليها في قوانين أخرى، تشمل عمليات التأمين الأنواع الآتية: أولا : تأمينات الأشخاص وعمليات تجميع الأموال، وتشمل الأنواع الآتية:

1- التأمين على الحياة بجميع أنواعه.

2 – التأمين ضد الحوادث الشخصية، بما في ذلك التأمين ضد الأضرار الناجمة عن الحوادث الشخصية، وأخطار المهنة، وحوادث العمل، والسرقة، وخيانة الأمانة، والتأمين ضد المسؤولية المدنية للأشخاص.

3 – التأمين ضد العلاج الطبي طويل الأجل.

4 – التأمين على عمليات تجميع الأموال”.

ويظهر بصريح عبارة الفقرة الأولى أن التأمين على الحياة بجميع أنواعه من أنواع التأمين الجائز مباشرتها في دولة قطر؛ وعليه فإنه وفقا للتشريعات الخاصة يعرف النظام القانوني القطري التأمين على الحياة، فما الذي دفع المشرع لعدم الاشارة عليه في القانون المدني على خلاف غالبية التشريعات العربية المقارنة، هذا ما نبينه في الفقرة التالية

ثالثا – دوافع المشرع القطري في عدم تنظيم التأمين على الحياة في القانون المدني

بداية نود الإشارة إلى أنه لا توجد مذكرة ايضاحية منشورة للقانون المدني القطري يمكن الرجوع إليها للوقوف على أسباب عدم تنظيم هذا النوع من التأمين من خلال الأعمال التحضيرية التي تسبق إصدار القانون؛ ولذلك فإن محاولة البحث عن تلك الدوافع إنما هي محاولة اجتهادية، ونعتقد من جانبنا أن السبب في عدم تنظيم التأمين على الحياة هو تأثر المشرع القطري بالاختلاف الفقهي حول مدى جواز هذا النوع من التأمين في الشريعة الاسلامية،

فلقد تأثر المشرع القطري بالاختلاف الذي لازال قائما بين الفقهاء حول مدى جواز التأمين على الحياة في الشريعة الاسلامية ونشير في عجالة إلى هذا الاختلاف حيث يوجد اتجاهان:

الاتجاه الأول : يذهب إلى القول بأن عقود التأمين كلها جائزة من الناحية الشرعية، بلا فرق بين التأمين التعاوني والتأمين التجاري، على أساس أن الأسس التي يقوم عليها نظام التأمين في النوعين واحدة، وأن عقد التأمين من العقود المستحدثة، والقاعدة هي إباحة العقود والشروط متى لم تخالف نصا قطعيا، فضلا عن أن الحاجة تدعو إلى نظام التأمين في الوقت الراهن. وفي سبيل تبرير وجهه نظرهم أخذوا يسوقون الأدلة على شرعية التأمين

الاتجاه الثاني : يذهب إلى أن التأمين كنظرية في حد ذاته، وباعتباره أمرا يدعو إلى التعاون، أمر تجيزه الشريعة الإسلامية. ولكن الخلاف في التطبيقات العملية النظرية التأمين. وفي هذا الصدد يفرق الفقهاء بين أنواع التأمين الموجودة في العمل، حيث يوجد التأمين التعاوني أو التبادلي والتأمينات التي تبرمها الدولة لصالح موظفيها، والتأمين التجاري. ويجيزون التأمين التعاوني استنادا إلى عدة أسس

أما النوع الثاني : هو التأمين بقسط ثابت أو ما يقال له التأمين التجاري، وهو التأمين الذي تقوم به شركات التأمين في الوقت الراهن فهذا النوع من التأمين غير جائز من الناحية الشرعية ويستندون في ذلك إلى عدة حجج، فضلا عن ردهم على القائلين بجواز التأمين التجاري.

والتأمين على الحياة غير جائز عند هذا الرأي ويستندون في ذلك إلى حجة رئيسية تتمثل في الجهالة: حيث لا يعلم طرفا عقد التأمين مقدار ما يأخذ ومقدار ما يعطى، فربما تفع المؤمن له قسطا واحدا وحصل على كل مبلغ التأمين، وربما دفع الأقساط كلها ولم يتحقق الخطر. وهذا يعد من قبيل أكل أموال الناس بالباطل؛ المنهي عنه فضلا عن اشتماله على: المقامرة، والربا، والغرر المنهي عنه في عقود المعارضات، كما أنه لا توجد ضرورة، أو حاجة ملحة، تدعو إلى مثل هذا النوع من التأمين.

وقد صدرت عدة فتاوی من مجامع الفقه الإسلامي تؤكد في مجملها على شرعية التأمين التبادلي، أو التعاوني، والتأمينات التي تجريها الدولة لصالح موظفيها أو عمالها، وتؤكد في نفس الوقت على عدم شرعية التأمين الذي تجريه شركات التأمين ذات القسط الثابت، أو ما يقال له التأمين التجاري.

وإن كانت هذه هي الدوافع التي دفعت – فيما نعتقد – بالمشرع إلى عدم تنظيم هذا النوع من التأمين، فإن هذه الدوافع لم تمنع بعض التشريعات العربية والتي انتهجت النهج الاسلامي خطا لها من تنظيم هذا النوع من التأمين، من ذلك المشرع الأردني والمشرع الإماراتي حيث ينظما هذا النوع من التأمين، ومعنى هذا أنه لا سند لإغفال المشرع القطري لتنظيم هذا النوع من التأمين في القانون المدني أو في القوانين الخاصة، خاصة أن هذه الأخيرة تجيز لشركات التأمين العاملة في دولة قطر أن تباشر هذا النوع من التأمين.

المطلب الثاني: واقع التأمين على الحياة في قطر

إذا ما تجاوزنا نصوص القانون وانتقلنا إلى الواقع العلمي نجد أن التأمين على الحياة موجود في النظام القانوني القطري، وثمة شركات تأمين تصدر وثائق للتأمين على الحياة من ذلك وثائق التأمين التكافلي التي تصدرها الشركة الاسلامية للتأمين وتعتبرها البديل الشرعي للتأمين على الحياة الذي تمارسه شركات التأمين التجاري

وتذكر الشركة أن هذه الوثائق مجازة شرعا من قبل المجمع الفقهي بمكة المكرمة وهيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية وهيئات الإفتاء في معظم الدول الإسلامية وهيئة الرقابة الشرعية بالإسلامية للتأمين.

وإذا اطلاعنا على هذه الوثائق التي تطرحها الشركة الاسلامية للتأمين نجد أن جل شروط هذه الوثائق متفق مع ما تتضمنه وثائق التأمين الصادرة من شركات التأمين التجاري من حيث التزام المؤمن له بالإدلاء بالبيانات والتزامه بسداد القسط، وفي المقابل تلتزم الشركة بإداء قيمة التأمين المحددة في الوثيقة الورثة المؤمن له أو شخص المستفيد المعين في الوثيقة من قبل المؤمن له.

وعلى الرغم من وجود هذه الوثيقة إلا أنه من الناحية القانونية لا يوجد تنظيم قانوني للتأمين على الحياة في دولة قطر سواء ذلك في القانون المدني أو في القوانين الخاصة، حيث اقتصر في تلك الأخيرة فقط على ذكره باعتباره أحد صور التأمين التي يمكن لشركات التأمين أن تمارسه؛ ولذلك فإننا ننادی بوجوب وجود تنظيم قانوني للتأمين على الحياة في دولة قطر

الخاتمة:

بان لنا من هذه الدراسة أنه على الرغم من ممارسة هذا النوع من التأمين في الواقع العملي، فإن المشرع القطري لم ينظم عقد التأمين على الحياة سواء في القانون المدني أو القوانين الخاصة، ويشكل ذلك فراغا تشريعيا يتعين على المشرع أن يتداركه، ويضع تنظيما قانونيا متكاملا للتأمين على الحياة، على أن يراعى أن يتضمن التنظيم المقترح ما يلي:

1- أن يأتي متوافقا مع أحكام الشريعة الإسلامية، حيث لا يوجد ما يمنع من الناحية الشرعية من تنظيم التأمين على الحياة, آية صدق ذلك وجود وثائق التأمين التكافلي التي تطرحها عدة شركات تأمين في البلاد العربية من ذلك: السودان، وامارة الشارقة، وامارة دبي، وما تطرحه شركة التأمين الاسلامية في دولة قطر؛ ومن ثم يمكن أن يوضع تنظيم قانوني يراعي الضوابط الشرعية التي يتعين الالتزام بها في مثل هذه الوثائق.

2 – حتى لا يتخذ التأمين على الحياة وسيلة للمقامرة أو الرهان، يتعين وضع حد أقصى المبلغ التأمين مما يحد من التفاوت بين المبالغ الخاصة بكل مشترك، مع ملاحظة إمكانية أن يتفاوت مبلغ التأمين من مشترك لأخر متى كان في حدود الحد الأقصى، وما نطالب به هذا على عكس ما تأخذ به حاليا شركات التأمين التجاري حيث لا تضع في وثائق التأمين على الحياة حدا لمبلغ التأمين

3 – تجيز القواعد التي تحكم التأمين على الحياة لدى شركات التأمين التجاري حاليا إمكانية أن تتعدد عقود التأمين على الحياة لدى أكثر من مؤمن، ويترتب على ذلك حق المؤمن له أو المستفيد في الجمع بين كل مبالغ التأمين؛ وهذه مسألة يتعين بحث مدى جوازها من الناحية الشرعية، وفي ضوء ذلك يتعين أن يتضمن التشريع المأمول حكما لهذه المسألة.

4 – يفترض التأمين على الحياة الجائز شرعا أنه يقوم على التكافل بين المشتركين، وأن قيمة الاشتراك تقدم على سبيل التبرع؛ واتساقا مع هذا المسلك يتعين التعويل على نية المشترك فلا يحرم من مزايا التأمين التكافلي في حالة الادلاء ببيانات غير صحيحة إلا إذا كان ذلك بسوء نية.

5 – تقوم شركات التأمين التي تصدر وثائق التأمين على الحياة التكافلية بتجميع الأقساط من المشتركين واستثمار هذه الأقساط بطريقة تتفق وأحكام الشريعة ووفقا لضوابط المضاربة الجائزة شرعا، وتبين الدراسات الفنية كيفية استثمار هذه الاشتراكات لصالح المشتركين، ولذلك فإن ما تحصل عليه شركات التأمين وفقا لهذا النظام هو نصيبها من المضاربة في أموال المستفيدين.

6- الاشتراكات، أي الأقساط التي يلتزم بسدادها المشاركين في نظام التأمين التكافلي تحدد وفق قواعد وأسس يتم الاتفاق عليها، وتلزم شركات التأمين التكافلي بهذه القواعد ومنها التناسب بين القسط ومبلغ التأمين، وتطبق هذه القواعد على جميع المشتركين في النظام.

7- حرمان المستفيد من مبلغ التأمين في حالة إذا مات المؤمن عليه منتحرا عن وعی وإدراك خلال السنتين الأوليين للتعاقد فقط.

8 – تقرير حق المشترك في الانسحاب من النظام التكافلي في أي وقت من حصوله على قيمة المبالغ التي تم استثمارها لحسابه بالكامل.

9- تخفيض الحد الأدنى لسن المشترك عند الاشتراك؛ بما يتيح الفرصة لأكبر عدد من المشتركين من الحصول على مزايا نظام التأمين التكافلي.

10 – حق المؤمن له في مبلغ التأمين عند بلوغه السن المحددة، أو حق المستفيد في مبلغ التأمين عند وفاة المؤمن له.

11 – بيان ما إذا كان مبلغ التأمين يدخل في تركة المؤمن له عند وفاته أم لا.

12 – مد التغطية التأمينية لتشمل بالإضافة إلى حالات الوفاة الطبيعية، حالات العجز الكلي الدائم، لما لهذه الأخيرة من آثار اقتصادية سيئة على المؤمن له أو المستفيدين تستلزم ادراجها تحت المظلة التأمينية

المراجع:

العلامة عبدالرزاق السنهوري: الوسيط في شرح القانون المدني – الجزء السابع – المجلد الثاني – عقود الغرر وعقد التأمين – دار احياء التراث العربي . بيروت

 د. عبدالودود يحيى: التأمين على الحياة – الطبعة الأولى – 1964 مكتبة القاهرة الحديثة

د. السيد عبد المطلب عبده: التأمين على الحياة وفقا لأحكام الشريعة الاسلامية – الجامعة الاسلامية العدد 35.

 د. حسين حامد حسان : أسس التكافل التعاوني في ضوء الشريعة الإسلامية – دبي – 2004.

د. سعيد جبر : رجوع المؤمن على الغير المسئول عن الحادث – دار النهضة العربية – 1993

أ.د / حسن حسين البراوي كلية القانون – جامعة قطر التأمين على الحياة في النظام القانوني القطري بين الواقع والمأمول



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.