تفصيل وبيان الحكم الشرعي القاضي بحرمة التأمين التجاري

تفصيل وبيان الحكم الشرعي القاضي بحرمة التأمين التجاري

ذكرنا آنفا أن الفتاوى الصادرة عن جهات الفتوى المعتمدة في العالم الإسلامي أجمعت على حرمة التأمين التجاري، وذلك لأن عقد التأمين التجاري صورة من صور ما يسمى في الفقه الإسلامي بعقود المعاوضات، وعقود المعاوضات هي التي يكون فيها بين طرفي العقد التزام تبادل في الأموال أو المنافع والخدمات، بحيث أن كل طرف يأخذ ويعطى، وبموجب شروط عقد التأمين التجاري، يأخذ المؤمن قسط التأمين مقابل تحمله النتائج المالية السلبية المترتبة على وقوع الخطر، ويأخذ المؤمن له التعويض مقابل دفعه قسط التأمين.

وعقود المعاوضات يبطلها ( أي أن العقد وما يترتب عليه يصبح محرما ) ما يلي :

1- الغرر:

 ورد عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الحصاة ، وعن بيع الغرر (رواه مسلم)، والنهي هنا فهي تحريم

وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الثمار حتى تزهي، فقيل له وما تزهي ؟! قال: “حتى تحمر ” فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أرأيت إذا منع الله الثمرة بم يأځذ أحدكم مال أخيه ؟؟” . ( رواه البخاري ) وفي رواية : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لو بعت من أخيك ثمرا فأصابه جائحة فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئا، بم تأځذ مال أخيك بغير حق ؟! ” . ( رواه مسلم)

فعلة تحريم الغرر هي الجهالة التي ينتج عنها أكل أموال الناس بالباطل

والغرر كما بينته الأحاديث الشريفة هو ما يكون مستور العاقبة، وغير معلوم لكلا طرفي العقد عند إبرامه، وهذا ما يقتضيه عقد التأمين التجاري بصورته المعمول بها، إذ لا يعرف وقت إبرام العقد مقدار ما يعطى كل واحد من العاقدين، أو يأخذ ، فقد يقع الحادث المؤمن عليه، فيستحق المستأمن بحسب العقد تعويضا أكثر مما دفع، فتتضرر شركة التأمين بدفعها ما لا يوازي الثمن المقبوض، وقد لا يقع الحادث، فيتضرر المؤمن له بدفع مالا بلا عوض ولا مقابل ينتفع به، ذلك أن استحقاق العوض موقوف على ما سيأتي به الزمن، وهو شيء مجهول لكلا طرفي العقد، وهذه الجهالة هي علة تحريم الغرر، وهي تمنع صحة العقد شرعا، والجهالة هنا هى عدم التأكد من تحقق الخدمة المقدمة مقابل الثمن المدفوع، بمعنى أن في عقد التأمين التجاري جهالة حاصلة على الخطر المؤمن عليه، وبالتالي جهالة في مبلغ التأمين، والقاعدة الفقهية تنص على: ” كل جهالة تفضى إلى نزاع فسد العقد “

2- الميسير

 قال تعالى : (يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون ) (۹۰- المائدة )، فالله سبحانه وتعالى علق الفلاح والنجاح في الأعمال على ترك هذه الموبقات، والتي من بينها الميسر.

إن عقد التأمين التجاري عقد احتمالي، أي أن الخطر حادث محتمل لا يتوقف على إرادة أحد العاقدين، إنما على أمور خارجة عن إرادتهما، وعليه فقد تضمن العقد على الميسير، والميسر هو: القمار، والمراهنة، والقمار: هو أخذ مال إنسان على مخاطرة، هل يحصل له عوض أو لا يحصل، والمراهنة :هو أن يتبارى طرفان على شيء يكون أولا يكون، فمن تحقق شرطه فله، وإلا فعليه

وعلة فساد العقود بالميسر هو الاحتمال، فكل من المقامرين أو المتراهنين لا يدري هل سيحصل له عوض أم لا، لأن تحصيل العوض متوقف على أمر احتمالي خارج عن إرادتهما، وهذا هو الحال في عقد التأمين التجاري القائم على الخطر المحتمل، فالمؤمن له لا يدري إن كان سيحصل على عوض لما دفعه من أقساط، أم لا، لأن دفع العوض معلق على خطر احتمالي، كما قال الشيخ محمد بخيت المطيعي في رسالته السوكرتاه: عقد التأمين عقد فاسد شرعا، وذلك لأنه معلق على الخطر، تارة يقع، وتارة لا يقع، فهو قمار

وقال الماوردي الشافعي : الميسر هو الذي لا يخلو الداخل فيه من أن يكون غانما إن أخذ، أو غارما إن أعطى

إذن كل عقد دار بين الغنم والغرم فهو ميسر حرمه الله عز وجل، وهذا هو حال التأمين التجاري، فالمؤمن والمؤمن له حالهما دائر بين الغنم والغرم، فإذا وقع الخطر المؤمن عليه ودفعت شركة التأمين للمؤمن له أكثر مما حصلت منه فهي والحال هذه تسمى غارمة والمؤمن له غانم، والعكس إذا دفع المؤمن له قسط التأمين ولم يقع الخطر كان غارما والشركة غانمة.

3- الربا:

بما أن حقيقة عقد التأمين هي بيع نقد بنقد، حيث يتفق المستأمن مع شركة التأمين على أن يلتزم بسداد أقساط التأمين مقابل أن تدفع له الشركة مبلغ التأمين عند وقوع الخطر، فعليه فإن عقد التأمين التجاري يتضمن الربا بنوعيه، ربا الفضل، وربا النسيئة ، بل إن أساس العقد وجوهره قائم على الربا، فالمبلغ الذي يحصل عليه المستأمن لا يخرج عن أن يكون أقل أو أكثر أو مساويا لما دفعه، فإذا كان المبلغ الذي استحقه المستأمن أقل أو أكثر مما دفع، فقد اجتمع فيه ربا الفضل وربا النسيئة، ربا النسيئة: لأن الذي حصل هو مبادلة نقود بنقود متأخرة عنها في الأجل، زائدة عنها في المقدار، وربا الفضل: زيادة أحد العوضين في مبادلة المال الربوي، علاوة على تأخر قبض أحد العوضين، وإن كان المبلغ الذي استحقه المستأمن مساويا لما دفعه من أقساط – وهو نادر جدا. ففيه ربا النسيئة .

يعني إذا تحقق الخطر المؤمن عليه ودفعت الشركة ( المؤمن ) للمؤمن له أو للمستفيد أكثر مما دفعه لها من النقود ( مبلغ التأمين ) فهذا يسمى ربا فضل، أي فضل مال لا يقابله عوض.

والشركة إذا دفعت مبلغ التأمين للمؤمن له أو للمستفيد أكثر مما دفعه بعد مدة من إبرام العقد واستلام القسط، فهذا يسمى ربا النسيئة ، وهو الزيادة على المبلغ الذي دفعه المؤمن له مع تأخير وقت الدفع.

ولا شك أن الغرر، والميسر، والربا، تفضي جميعها إلى ضياع الحقوق، وأكل أموال الناس بالباطل، وإيقاع العداوة والمنازعات بينهم، لأنها ليست معاوضة محققة للطرفين، بل ربحا لواحد وخسارة للآخر بحسب المصادفة، لذا فإن الإسلام في جميع عقود المعاوضات يحرص على زرع التوازن والتعادل والوضوح بين طرفي العقد، حتى ينأ بالعقد عن الغرر والجهالة المفضية إلى ضياع الحقوق وأكل أموال الناس بالباطل

المراجع:

هيثم محمد حيدر : الفائض التأميني ومعايير احتسابه وأحكامه

تحميل المقال:









اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.